حديث الإثنين: أهمية تناول قضايانا من منظور وطني

حديث الإثنين: أهمية تناول قضايانا من منظور وطني

بت على يقين تام بأننا في اليمن لا يمكن أن نصل الى توافق  بين كل الأطراف السياسية من أجل الوصول الى بناء دولة وطنية حديثة يشارك فيها الجميع ونحقق سيادة اليمن واستقلال قراره

إلا في حالة واحدة فقط تتمثل في أن نتناول قضايانا من منظور وطني بحت بعيدا عن الشخصنة وإسقاط المصطلحات الطائفية والعنصرية والمذهبية عليها وتغليب مصالح الأحزاب على مصلحة الوطن العليا وجعل الخطاب السياسي والإعلامي متحررا من كل هذه المحبطات التي يتخذ منها تحالف العدوان منطلقا للتفرقة واختراق الجبهة الداخلية .. أعتقد بل وأجزم أننا قادرون على تحقيق ذلك اذا ما توافرت الإرادة الوطنية وحسنت النيات وقد أثبتت الأحداث على مر التاريخ بأن الإيمان بعدالة القضية التي يتم الدفاع عنها يجعل الإنتصار يتحقق بأقل الإمكانيات وبأقل جهد يمكن ان يبذل قياسا بمايمتلكه العدو من عدة وعتاد وهذه الحقيقة التي لا تقبل الجدل أصبحت مترجمة عمليا على ارض الواقع في لبنان واليمن وفلسطين حيث اجبرت المقاومات الشعبية في هذه البلدان الثلاثة جيوش الأعداء على التراجع والحقت بها هزائم كبيرة افشلت من خلالها مخططا تها لإحتلال الشعوب والأوطان ، لكن تظل مشكلتنا في اولئك النفر من السياسيين والإعلاميين الذين  لا يعجبهم العجب ومازالوا غير مصدقين بأن الوضع في اليمن قد تغير وأصبحت طموحات كل ابناء الشعب اليمني وتطلعاتهم تنحصر في التحرر من الوصاية الخارجية والعمل على بناء الدولة القوية العادلة .
صحيح ان هناك اخطاء ترتكب في ظل الوضع الاستثنائي الذي نعيشه بفعل ما يواجهه الشعب اليمني من عدوان بربري ظالم فرض عليه وهذا شيء طبيعي حيث لا يوجد مجتمع ملائكي عبر التاريخ بما في ذلك مجتمعات الأنبياء والرسل عليهم السلام حيث كانت تأتيهم الخيانات من داخل بيوتهم وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم .. وليس عيبا أن ننتقد أخطاءنا بشدة ونطالب بتصحيحها .. ونتعامل مع الحقائق بتجرّد وموضوعية حتى لو كانت مُرّة .. بل وليس عيباً أن نحمّل أنفسنا مسؤولية ما يجري لنا من مصائب ومحن صنعناها بأيدينا قبل تحميل الآخرين مسؤولية التدخل في شؤوننا ونحن الذين سمحنا لهذا الآخر بإرادتنا أن يكون شوكة في حلوقنا عندما أثبتنا في العقود الماضية أننا عاجزون عن حل مشاكلنا بسبب فقدان الثقة فيما بيننا .. وهو ما جعل الآخرين يتدخلون شفقة منهم علينا في وقت ينظرون فيه إلى أن الوطن اليمني قد أصبح مثل البيت الذي هجره أهله وأصبحت نوافذه وأبوابه مخلّعة  فيدخله كل من هبّ ودبّ بما في ذلك الجن الذين يتخذون منه مسكناً .. ثم نتباكى ونقول إن الآخرين يتدخلون في شؤوننا الداخلية ويفرضون علينا رؤيتهم لحل مشاكلنا التي عجزنا عن حلها.
وكم هو مؤسف أن يكون تعاملنا محصوراً مع نتائج ما يحدث لنا وليس مع الأسباب التي أدت إلى هذه النتائج خوفاً من محاسبة المتسبّبين وتحميلهم المسؤولية .. وهذا تعامل وتقييم خاطئ لن يزيد قضايانا إلا تعقيداً .. ولو توقفنا قليلاً أمام بعض الآيات القرآنية التي يتحدّث الله سبحانه وتعالى فيها عن مواقف وقضايا لوجدنا أن الحديث عن هذه القضايا يبدأ بالأسباب وينتهي بالإشارة إلى النتائج حتى يعتبر الناس بها ويتجنّبون وقوعهم في الأخطاء التي قد تقود أحياناً إلى التهلكة .. وهنا لابد أن نتساءل : ليس من المعقول أن يتراجع وعينا بالنسبة لمعالجة قضايانا إلى الخلف في الوقت الذي يُسارع فيه العالم من حولنا إلى تحقيق المعجزات والمحافظة على وحدتهم الوطنية والفكرية ليزدادوا قوة ومنعة تبعدهم عن تلك الأفكار والسلوكيات التي تفرّق المجتمعات وتضعفها وتدمر بنيتها بل وتجعلها في النهاية لقمة سائغة يسهل ابتلاعها من قبل أعدائها خاصة عندما يتعلّق الأمر بالاختلافات الحزبية غير الصالحة للدول والشعوب المتخلفة والتي قال عنها حكيم اليمن القاضي عبد الرحمن الإرياني، رئيس المجلس الجمهوري الأسبق رحمه الله : إن الحزبية تبدأ بالتأثر وتنتهي بالعمالة .. وهذا ما هو حادث حاليا ويطبق حرفيا على أرض الواقع وغرف فنادق الرياض وأبو ظبي خير شاهد لما تحويه من قيادات حزبية سبق لها أن صدعت رؤوس اليمنيين بشعاراتها التقدمية ومحاربتها لما كانت تسميه الإمبريالية والرجعية والعدو التاريخي لليمن الذي ارتمت في أحضانه وجعلت منه مرجعيتها بل وباعت الوطن بثمن بخس .. ولأن التنظيم الشعبي باعتباره تجمّعاً لقوى الشعب الثورية في الدول الوطنية حديثة الاستقلال يختلف عن تلك التجمعات أو الجبهات الوطنية التي نشأت في أوروبا خلال الأزمات والحروب لمهمة مؤقتة ومحدودة كدرء خطر فاشي ماحق انتهت بعد زواله كما يقول المفكر الدكتور محمد علي الشهاري ، رحمه الله، فإن طبيعة الأحزاب التي نشأت في الوطن العربي لم تقم من أجل تحقيق مهام استراتيجية بعيدة المدى تتمثل في إنجاز واستكمال الاستقلال السياسي والاقتصادي وفي القضاء على الأوضاع القبلية والمناطقية وصولاً إلى سلوك طريق التطور الوطني الديمقراطي الذي يستلزم إعادة النظر في بعض تركيبات الوضع الاجتماعي وتنوعاته وفرز العناصر المستهلكة التي لم تعد تستطيع السير إلى نهاية الطريق فإن الأحزاب التي نشأت في عدد محدود من الدول العربية كمصر وسورية والعراق ابتعدت كثيراً عن هذا الواقع الذي يخدم تحقيق تطلعات الأمة بقدر ما كان يهمها الوصول فقط إلى السلطة بواسطة الانقلابات وتصفية خصومها السياسيين المختلفين معها في مبادئها وأفكارها وتمدّدها في الدول العربية من خلال فتح فروع حزبية فيها يكون ولاؤها لها وليس لأوطانها .. وعندما نتوقف أمام ما يجري في اليمن كنموذج سنجد أنه لا يوجد حزب أو تنظيم سياسي مهما ادعى الوطنية إلا وهو مرتبط بالخارج .. بدليل أن هناك أحزاباً وتنظيمات سياسية تتفاخر بشعاراتها غير الوطنية .. وإذا لم تكن علاقتها عضوية بالمرجعية الخارجية فعلى الأقل هناك تنسيق وتعاون يغلّب خدمة القضايا الخارجية على خدمة القضايا الوطنية ولا نريد الدخول في التفاصيل حتى لا يتم تفسير ما أشرنا اليه بسوء نية ويقال اننا نتحامل على الأحزاب والتنظيمات السياسية المنقسمة أصلا على نفسها فكيف بمواقفها من قضايا الوطن لاسيما في ظل المرحلة الحالية التي يشهد اليمن فيها عدوانا لم يعرف له التاريخ مثيلا من حيث قوته وشراسته  واستمراره للعام السابع على التوالي تشارك فيه دول كبرى .. ولولا صمود اليمنيين ومقاومتهم وتصديهم لهذا العدوان السافرلكان اليمن قد تم ابتلاعه واحتلاله .